القاضي عبد الجبار الهمذاني

124

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : فيجب إذا أمر أحدنا غيره بأن يسقيه الماء ، وعلم أنه إن بذل له جل ماله مع كثرته فعل ما أمره به ، وإن امتنع من ذلك عصاه فيه ، أن يكون بامتناعه من ذلك مستفسدا وأن يكون فاعلا فعلا قبيحا . إذا لم يصح ما ذكرتموه / فقد بطل ما عولتم عليه ( ) « 1 » الاستفساد هو ما يصرف فاعله المفعول فيه عن طريقة الصلاح إلى طريقة الفساد . والّذي سألت عنه فالفساد الواقع فيه يعود إلى الآمر لا إلى المأمور ، كما أن الصلاح فيه يعود إليه ، لأنه إذا سقاه الماء فالصلاح يعود إلى الآمر ، وإذا عصى في ذلك فالضرر به يلحق ، فيصير من هذا الوجه فعل المأمور كأنه فعله . فكما لا يجب أن يختار بذل ماله لأجل الشربة الممكنة من الماء ليصح منه تناولها ، فكذلك لا يجب عليه أن يبذل ذلك لأجل وقوع هذا الفعل من الغير . يبين ذلك أنه متى خاف إن لم يتناول الماء أن يهلك ، لزمه بذل جل ماله . لأن نفعه ، والحال هذه بتناول الماء ، أعظم من نفعه باحتباس المال ، وما عليه من الضرر في ترك تناول الماء أعظم من الضرر في بذل الماء . وكما يلزمه ذلك ، فكذلك يلزمه أن يبذل لمن يأمره أن « 2 » يسقيه ، إذا علم أنه لا يفعل ذلك إلا عند بذله ذلك له . وهذا يبين لمن يأمره أن « 2 » يسقيه ، إذا علم أنه لا يفعل ذلك إلا عند بذله ذلك له . وهذا يبين أن فعل المأمور في هذا الوجه إذا كان الغرض منه « 3 » صلاح الآمر ، كأنه فعل نفس الأمر في الوجوه التي ذكرناها . وليس كذلك حال ما قدمناه ، لأنا تكلمنا على من الفساد عليه يعود والصلاح له يحصل ، وقلنا إن المكلف له متى أزال تعريضه لمنفعة ؛ ففعله « 4 » لما يختار عنده العدول عن سنن الطاعة النافعة له في الآخرة إلى المعصية الموجبة للعقوبة ، لا يكون إلا مفسدة لهذا المكلف ، وأنه إذا كان

--> ( 1 ) مطموس . ( 2 ) في الأصل : « بأن » . ( 3 ) في الأصل : « به » . ( 4 ) أي فعل المكلف .